الذهب يمحو مكاسب 2026 بالكامل بعد صدمة الوظائف الأمريكية.. وارتفاع عوائد السندات يعيد للأذهان انهيار يناير التاريخي
استقرار أسعار الذهب في الأسواق المحلية خلال تعاملات اليوم السبت، تزامنًا مع العطلة الأسبوعية للبورصة العالمية، بعد أن تعرضت الأوقية لخسارة أسبوعية بنسبة 4.7 % ، عقب موجة بيع عنيفة اجتاحت الأسواق العالمية في ختام تداولات الأسبوع، دفعت المعدن النفيس إلى محو جميع مكاسبه المحققة منذ بداية عام 2026، وجاءت الخسائر الحادة بعدما عززت بيانات الوظائف الأمريكية التي فاقت التوقعات رهانات الأسواق على استمرار السياسة النقدية المتشددة للاحتياطي الفيدرالي، ما رفع الدولار وعوائد سندات الخزانة الأمريكية وألقى بضغوط قوية على الذهب، وفقًا لتقرير صادر عن «مرصد الذهب» للدراسات الاقتصادية.
وقال الدكتور وليد فاروق، مدير «مرصد الذهب»، إن سعر جرام الذهب عيار 21 استقر 6450 جنيهًا مقارنة بختام تعاملات أمس، فيما سجلت الأوقية خسارة أسبوعية بنسبة 4.7% بلغت نحو 212 دولارًا لتختتم تعاملات الأسبوع عند 4328 دولارًا، وفقًا لبيانات مجلس الذهب العالمي.

وأضاف أن سعر جرام الذهب عيار 24 سجل نحو 7371 جنيهًا، بينما بلغ سعر جرام الذهب عيار 18 نحو 5529 جنيهًا، وسجل الجنيه الذهب مستوى 51600 جنيه.
وأوضح أن أسعار الذهب بالأسواق المحلية تراجعت بنحو 180 جنيهًا خلال تعاملات أمس الجمعة، حيث افتتح جرام الذهب عيار 21 التعاملات عند 6630 جنيهًا واختتمها عند 6450 جنيهًا، بينما تراجعت الأوقية عالميًا بنحو 154 دولارًا، حيث افتتحت التعاملات عند 4482 دولارًا وأغلقت عند 4328 دولارًا.
وأشار فاروق إلى أن أسعار الذهب في السوق المحلية لا تزال تتداول أعلى من قيمتها العادلة بنحو 165 جنيهًا للجرام، نتيجة استمرار حالة الحذر بين المتعاملين بعد التقلبات الحادة التي شهدتها الأسواق منذ بداية العام.
وأضاف أن التأثير الفعلي على السوق المحلية سيتحدد إلى حد كبير وفقًا لمسار الدولار خلال الأيام المقبلة، إذ قد يسهم أي ارتفاع في سعر صرفه في الحد من تأثير التراجع العالمي على أسعار الذهب محليًا، بينما قد يؤدي استمرار هبوط المعدن النفيس عالميًا بالتزامن مع استقرار أو تراجع الدولار إلى زيادة الضغوط على بعض المتعاملين، لا سيما الذين قاموا بالشراء عند مستويات سعرية مرتفعة قبل موجة الهبوط الأخيرة.
وأوضح أن امتلاك مخزون قوي من الذهب يظل أحد أهم عناصر القوة والاستقرار لدى التجار والمصنعين، إلا أن فترات التقلبات الحادة تفرض تحديات تتعلق بإدارة السيولة ومخاطر التسعير، خاصة بالنسبة للكميات التي تم شراؤها عند مستويات سعرية مرتفعة قبل موجة الهبوط الأخيرة.

وأكد أن السوق المصرية أصبحت أكثر قدرة على التعامل مع التقلبات مقارنة بما حدث خلال موجة الهبوط التاريخية في يناير 2026، إلا أن استمرار الضغوط العالمية قد يدفع بعض المتعاملين إلى تبني سياسات تسعير أكثر تحفظًا لحين اتضاح اتجاهات الأسواق العالمية واستقرار حركة الأسعار.
الذهب يفقد مكاسب العام بالكامل
تكبدت أسعار الذهب العالمية خسائر حادة خلال تعاملات الجمعة، لتفقد جميع مكاسبها منذ بداية عام 2026، بعدما عززت بيانات الوظائف الأمريكية القوية التوقعات باستمرار السياسة النقدية المتشددة.
وكانت الأوقية قد افتتحت تعاملات العام عند 4318 دولارًا، قبل أن تسجل أعلى مستوى لها في 29 يناير عند 5626 دولارًا، إلا أنها تراجعت بأكثر من 3.5% خلال جلسة الجمعة لتلامس 4313 دولارًا، ثم أغلقت عند 4328 دولارًا، متخلية بذلك عن جميع مكاسبها السنوية بعد موجة صعود قوية دعمتها التوترات الجيوسياسية ومشتريات البنوك المركزية.
وجاءت موجة البيع العنيفة عقب صدور تقرير الوظائف غير الزراعية الأمريكي لشهر مايو، والذي أظهر إضافة 172 ألف وظيفة جديدة، متجاوزًا بأكثر من الضعف توقعات الأسواق البالغة 85 ألف وظيفة، فيما استقر معدل البطالة عند 4.3%، في إشارة إلى استمرار قوة سوق العمل الأمريكي رغم مستويات الفائدة المرتفعة.
كما ارتفع مؤشر الدولار الأمريكي فوق مستوى 100 نقطة، بينما صعد العائد على سندات الخزانة الأمريكية لأجل عشر سنوات إلى نحو 4.53%، وهو ما شكل ضغطًا مزدوجًا على الذهب الذي لا يدر عائدًا لحائزيه.
ويرى محللون في مؤسسات مالية كبرى، من بينها «جولدمان ساكس» و«يو بي إس»، أن الذهب يواجه ضغوطًا متزايدة بفعل ارتفاع العوائد الحقيقية وقوة الدولار الأمريكي، محذرين من أن كسر المتوسط المتحرك لـ200 يوم، أحد أهم المؤشرات الفنية طويلة الأجل، قد يفتح الباب أمام مزيد من التراجعات.
وأضاف فاروق أن فقدان هذا المستوى الفني يمثل إشارة سلبية للأسواق.
مقارنة مع انهيار 29 يناير.. ما الذي تغير؟
ويعيد الهبوط الحاد الذي شهدته أسعار الذهب يوم الجمعة إلى الأذهان ما حدث في 29 يناير 2026، عندما تعرضت أسواق المعادن الثمينة لواحدة من أعنف موجات البيع في تاريخها الحديث.

ففي ذلك اليوم سجل الذهب أسوأ أداء يومي له منذ عام 1983، بعدما هوت الأسعار بنحو 12% في جلسة واحدة، ما انعكس على السوق المحلية بخسائر تجاوزت 600 جنيه للجرام، بينما فقد الذهب محليًا نحو 510 جنيهات دفعة واحدة، كما تكبدت الفضة خسائر أكثر حدة تجاوزت 30% من قيمتها، لتتراجع إلى نحو 80.4 دولارًا للأوقية بعد أن كانت قد سجلت مستويات تاريخية قياسية.
وجاءت تلك الموجة البيعية بالتزامن مع إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب اختيار كيفن وارش رئيسًا لمجلس الاحتياطي الفيدرالي، وهو القرار الذي اعتبرته الأسواق آنذاك مؤشرًا على تبني سياسة نقدية أكثر تشددًا خلال المرحلة المقبلة، ما دفع المستثمرين إلى إعادة تسعير توقعات الفائدة بصورة عنيفة وأطلق موجة واسعة من جني الأرباح والتخارج من الذهب والفضة.
ورغم التشابه بين ما حدث في يناير وما شهدته الأسواق يوم الجمعة، فإن هناك اختلافًا جوهريًا بين الحدثين؛ ففي يناير كان العامل الرئيسي هو الصدمة المرتبطة بتغيير قيادة الاحتياطي الفيدرالي وتوقعات التشديد النقدي المستقبلية، بينما جاء هبوط يونيو نتيجة بيانات اقتصادية فعلية أظهرت قوة سوق العمل الأمريكي وعززت احتمالات الإبقاء على أسعار الفائدة المرتفعة لفترة أطول.
عوائد السندات تتفوق على الملاذات الآمنة
أوضح فاروق أن ارتفاع عوائد السندات الأمريكية أعادها لتكون المحرك الرئيسي للأسواق، إذ يزيد من تكلفة الاحتفاظ بالذهب ويدفع جزءًا من السيولة الاستثمارية نحو أدوات الدين الحكومية ذات العائد المرتفع.
وأضاف أن الأسواق ركزت بصورة أساسية على قوة بيانات الوظائف الأمريكية واحتمالات استمرار السياسة النقدية المتشددة، متجاهلة إلى حد كبير التوترات الجيوسياسية في الشرق الأوسط.
أسبوع حاسم ينتظر الذهب
ويترقب المستثمرون الأسبوع المقبل بيانات التضخم الأمريكية ومبيعات المنازل ومؤشر أسعار المنتجين وطلبات إعانة البطالة، إلى جانب اجتماعات السياسة النقدية للبنك المركزي الأوروبي وبنك كندا، وهي عوامل قد تحدد اتجاه الذهب خلال الفترة المقبلة.
ويحذر عدد من المحللين في مراكز أبحاث متخصصة من بينها «أكسفورد إيكونوميكس» من أن الأسبوع المقبل قد يكون صعبًا بشكل خاص على الذهب، في ظل التركيز الشديد على بيانات التضخم الأمريكية.
ويرون أن أي مؤشرات على انتقال تأثير ارتفاع أسعار الطاقة إلى الاقتصاد الأمريكي بصورة أوسع ستزيد من الضغوط على المعدن النفيس، عبر تعزيز توقعات استمرار أسعار الفائدة المرتفعة لفترة أطول.
وفي سياق التوقعات طويلة الأجل، توقعت مؤسسة «ميتالز فوكس» المتخصصة في أبحاث المعادن الثمينة ومقرها لندن أن يرتفع متوسط أسعار الذهب خلال عام 2026 بنحو 43% على أساس سنوي، رغم توقعاتها بتراجع إجمالي الطلب العالمي وزيادة المعروض من المناجم وإعادة التدوير.
وأشارت المؤسسة إلى أن الطلب الاستثماري على السبائك والعملات الذهبية سيصبح للمرة الأولى المكون الأكبر للطلب العالمي متجاوزًا المشغولات الذهبية، مدعومًا باستمرار مشتريات البنوك المركزية والمخاوف المرتبطة بالديون الأمريكية والتوترات الجيوسياسية وعدم اليقين بشأن مستقبل الدولار، وهي عوامل ترى المؤسسة أنها ستبقي الذهب أحد أهم الملاذات الآمنة خلال الفترة المقبلة.








