تراجع الذهب بفعل جني الأرباح… والطلب الاستثماري والبنوك المركزية يحدّان من الخسائر.. الأوقية تخسر 49 دولار
شهدت أسعار الذهب في الأسواق المحلية والبورصة العالمية تراجعًا خلال تعاملات اليوم الأربعاء، متأثرة بعمليات جني الأرباح، إلا أن الطلب المستمر على الملاذات الآمنة حدّ من حدة الانخفاض، في ظل استمرار التوترات الجيوسياسية عالميًا، بحسب تقرير صادر عن منصة «آي صاغة».
وقال سعيد إمبابي، المدير التنفيذي لمنصة «آي صاغة»، إن أسعار الذهب في السوق المحلية تراجعت بنحو 55 جنيهًا للجرام، ليسجل جرام الذهب عيار 21 نحو 5950 جنيهًا، بينما هبط سعر الأوقية عالميًا بنحو 49 دولارًا، ليصل إلى مستوى 4445 دولارًا.

وأوضح إمبابي أن سعر جرام الذهب عيار 24 سجل نحو 6800 جنيه، فيما بلغ سعر جرام الذهب عيار 18 قرابة 5100 جنيه، في حين ارتفع سعر الجنيه الذهب إلى نحو 47,600 جنيه.
تراجعت أسعار الذهب والفضة في مستهل تداولات الأربعاء بالولايات المتحدة، نتيجة لعمليات جني الأرباح التي نفذها متداولو العقود الآجلة على المدى القصير.
ورغم هذا التراجع، لا يزال الهبوط محدودًا حتى الآن، وسط ترجيحات بزيادة الإقبال على الشراء عند المستويات المنخفضة، في ظل استمرار التوترات الجيوسياسية التي تعزز الطلب على الذهب كملاذ آمن.
وفي الوقت ذاته، تواصل التوقعات بشأن توجه الاحتياطي الفيدرالي نحو تيسير السياسة النقدية تقديم دعم إضافي لأسعار الذهب. وفي هذا السياق، أفاد معهد أبحاث معالجة البيانات الآلية (ADP) بأن التوظيف في القطاع الخاص الأمريكي ارتفع بمقدار 41 ألف وظيفة خلال ديسمبر، مع زيادة في الأجور السنوية بنسبة 4.4%.

وجاء هذا الارتفاع عقب تراجع التوظيف بمقدار 29 ألف وظيفة في نوفمبر، بعد تعديل القراءة السابقة من انخفاض قدره 32 ألف وظيفة، كما جاء الرقم أقل قليلًا من توقعات السوق البالغة 47 ألف وظيفة.
وفي تعليقها على نتائج التقرير، قالت الدكتورة نيلا ريتشاردسون، كبيرة الاقتصاديين في ADP، إن المؤسسات الصغيرة تمكنت من التعافي من خسائر الوظائف التي سجلتها في نوفمبر، مع تحسن وتيرة التوظيف بنهاية العام، رغم استمرار تراجع التوظيف لدى الشركات الكبرى.
وبالنظر إلى تطورات السوق المقبلة، يتجنب المتداولون تكوين مراكز قوية قبل صدور بيانات اقتصادية أمريكية مؤثرة قد تحدد اتجاه الدولار الأمريكي وأسعار الذهب على المدى القريب. وتظل البيانات الاقتصادية الأمريكية، وتوقعات السياسة النقدية للاحتياطي الفيدرالي، إلى جانب المخاطر الجيوسياسية، عوامل رئيسية في توجيه حركة الأسواق.

ولا يزال التوتر بين الولايات المتحدة وفنزويلا في صدارة المشهد الجيوسياسي، عقب عملية عسكرية أمريكية حاسمة خلال عطلة نهاية الأسبوع، أسفرت عن القبض على الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو والإطاحة به.
وفي أحدث التطورات، أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، مساء الثلاثاء، أن فنزويلا ستقوم بتسليم ما بين 30 و50 مليون برميل من النفط إلى الولايات المتحدة بأسعار السوق، على أن تعود العائدات بالنفع على البلدين، وتعد فنزويلا صاحبة أكبر احتياطيات مؤكدة من النفط الخام في العالم، تُقدّر بنحو 303 مليارات برميل.
وفي سياق متصل، أسهم تجدد الاهتمام الاستراتيجي الأمريكي بجرينلاند في تصعيد التوترات الجيوسياسية، إذ أعلن البيت الأبيض أن الرئيس دونالد ترامب ومستشاريه يناقشون مجموعة من الخيارات للاستحواذ على الجزيرة، مشيرًا إلى أن اللجوء إلى القوة العسكرية «يظل خيارًا مطروحًا».
وعلى صعيد البيانات الاقتصادية، تشير المؤشرات الصادرة هذا الأسبوع إلى تباطؤ وتيرة النمو الاقتصادي في الولايات المتحدة، فقد أظهرت أحدث قراءات مؤشرات مديري المشتريات الصادرة عن «S&P Global» تراجع النشاط التجاري خلال ديسمبر، حيث انخفض مؤشر مديري المشتريات للخدمات إلى 52.5 مقابل 54.1 في نوفمبر، كما تراجع المؤشر المركب إلى 52.7 من 54.2.
وفي الوقت نفسه، ظل مؤشر مديري المشتريات التصنيعي الصادر عن «ISM» في منطقة الانكماش عند مستوى 47.9، مقارنة بـ48.2 في نوفمبر.
وفيما يتعلق بالسياسة النقدية، تتوقع الأسواق أن يقدم الاحتياطي الفيدرالي على خفض أسعار الفائدة مرتين خلال العام الجاري، في ظل مؤشرات تباطؤ سوق العمل وتراجع معدلات التضخم.
ومع ذلك، من المرجح أن يُبقي الفيدرالي على أسعار الفائدة دون تغيير في اجتماعه المقرر يومي 27 و28 يناير، على أن تلعب البيانات المقبلة، ولا سيما تقرير الوظائف غير الزراعية (NFP) المنتظر صدوره يوم الجمعة، دورًا حاسمًا في إعادة تشكيل توقعات السياسة النقدية على المدى القريب.
وفي هذا الإطار، توقع دومينيك شنايدر، رئيس قسم السلع وكبير مسؤولي الاستثمار في سوق الصرف الأجنبي لمنطقة آسيا والمحيط الهادئ بإدارة الثروات في بنك «يو بي إس»، أن تدفع مشتريات البنوك المركزية، واتساع العجز المالي، وانخفاض أسعار الفائدة الأمريكية، إلى جانب استمرار المخاطر الجيوسياسية، أسعار الذهب نحو مستوى 5000 دولار للأوقية بحلول نهاية الربع الأول من العام.
ويواصل البنك المركزي الصيني تعزيز احتياطياته من الذهب، حيث مدد سلسلة مشترياته للشهر الرابع عشر على التوالي، في إشارة واضحة إلى استمرار الطلب الرسمي على المعدن النفيس رغم وصول الأسعار إلى مستويات قياسية.
ووفقًا لبيانات صدرت يوم الأربعاء ونقلتها «بلومبيرج»، ارتفعت مخزونات الذهب لدى بنك الشعب الصيني بنحو 30 ألف أوقية خلال الشهر الماضي.
وبذلك، يصل إجمالي مشتريات الصين منذ نوفمبر 2024، مع بداية دورة الشراء الحالية، إلى نحو 1.35 مليون أوقية، أو ما يعادل 42 طنًا. وشهد الذهب تقلبات سعرية حادة خلال الأسابيع الماضية، عقب تسجيله مستويات قياسية جديدة في خريف العام الماضي، إلا أنه حقق أفضل أداء سنوي له منذ عام 1979، مدفوعًا بمشتريات البنوك المركزية، وتصاعد التوترات الجيوسياسية، وتزايد عمليات التحوط ضد تراجع قيمة العملات والسندات السيادية.
وعلى مستوى البنوك المركزية عالميًا، واصل الطلب الرسمي على الذهب زخمه خلال شهر نوفمبر، حيث سجل صافي المشتريات نحو 45 طنًا، لترتفع المشتريات منذ بداية العام إلى نحو 297 طنًا، وفقًا لبيانات مجلس الذهب العالمي، مدفوعة بشكل رئيسي باستمرار إقبال بنوك الأسواق الناشئة على زيادة حيازاتها من المعدن النفيس.
وأظهرت البيانات تحسن وتيرة الشراء خلال الأشهر الأخيرة، في وقت تفاوتت فيه نسبة الذهب إلى إجمالي الاحتياطيات لدى أكبر المشترين، ما يعكس اختلاف السياسات النقدية واستراتيجيات إدارة الاحتياطيات بين الدول.
وسجل البنك الوطني البولندي حضورًا قويًا في السوق، بعدما اشترى 12 طنًا من الذهب خلال نوفمبر، لترتفع احتياطياته إلى 543 طنًا، تمثل نحو 28% من إجمالي الاحتياطيات، ليؤكد موقعه كأكبر مشترٍ رسمي للذهب منذ بداية العام.
كما واصل البنك المركزي البرازيلي الشراء للشهر الثالث على التوالي، مضيفًا 11 طنًا خلال نوفمبر، ليرتفع إجمالي مشترياته خلال الأشهر الثلاثة الماضية إلى 43 طنًا، وتصل احتياطياته إلى 172 طنًا، ما يعادل نحو 6% من إجمالي الاحتياطيات. وشملت قائمة المشترين خلال الشهر كلًا من أوزبكستان التي أضافت 10 أطنان، وكازاخستان بنحو 8 أطنان، إلى جانب قيرغيزستان والتشيك بواقع 2 طن لكل منهما، فضلًا عن الصين وإندونيسيا اللتين أضافتا طنًا واحدًا لكل دولة.
في المقابل، سجلت بعض البنوك المركزية صافي مبيعات محدودة، حيث باع البنك المركزي الأردني نحو 2 طن من الذهب، فيما خفض مصرف قطر المركزي حيازاته بنحو طن واحد خلال نوفمبر.
وفي سياق متصل، أعلن بنك تنزانيا أنه تمكن خلال الشهر نفسه من تجميع 15 طنًا من الذهب النقدي المكرر خلال السنة الأولى من برنامج الشراء المحلي، في إطار مساعيه لتعزيز احتياطيات النقد الأجنبي ودعم الاستقرار المالي.
وعلى صعيد الأداء منذ بداية العام، واصل البنك الوطني البولندي تصدره قائمة أكبر المشترين الرسميين للذهب بإجمالي بلغ 95 طنًا، أي ما يقرب من ضعف مشتريات كازاخستان التي جاءت في المرتبة الثانية بنحو 49 طنًا.
ورغم أن إجمالي المشتريات المعلنة حتى نوفمبر جاء بوتيرة أبطأ مقارنة بالسنوات السابقة، فإن زخم الطلب الرسمي على الذهب لا يزال قويًا نسبيًا.
ويعكس هذا التوجه استمرار اعتماد البنوك المركزية على الذهب كأصل استراتيجي للتحوط وتنويع الاحتياطيات، في ظل تصاعد المخاطر الجيوسياسية، وتقلبات الأسواق المالية، وحالة عدم اليقين التي تهيمن على المشهد الاقتصادي العالمي، بما يعزز الدور المحوري للذهب ضمن النظام النقدي الدولي في المرحلة الراهنة.








